يعرض الكاتب كرم نما رؤية تحليلية تربط بين النفوذ التكنولوجي لشركة آبل ومفهوم السيطرة الجيوسياسية، إذ يستعير فكرة طرحها الكاتب جون ثورنهيل ليقارن بين مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق عالمية للطاقة، وبين آبل التي تتحكم في مسارات الوصول الرقمي للمستخدمين. تنطلق الفكرة من تشبيه يبدو مبالغًا فيه في البداية، لكنه يزداد دقة كلما تعمق التحليل في طبيعة السيطرة التي تمارسها الشركة على النظام الرقمي العالمي.


ينشر موقع ميدل إيست مونيتور هذا التحليل الذي يسلط الضوء على تحولات القوة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الهيمنة حكرًا على من يبتكر، بل أصبحت لمن يسيطر على قنوات الوصول. يوضح الطرح كيف تتحكم آبل في البوابة التي تعبر منها التطبيقات والخدمات إلى المستخدم، مما يمنحها قدرة هائلة على توجيه الأسواق الرقمية وفرض قواعدها الاقتصادية.


آبل ممر إجباري في الاقتصاد الرقمي


تشبه آبل في هذا السياق مضيق هرمز، ليس لأنها الأكثر ابتكارًا دائمًا، بل لأنها تملك المسار الذي يجب أن يمر عبره الجميع. تتحكم الشركة في متجر التطبيقات والبنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها مليارات المستخدمين حول العالم، ما يجعلها شريكًا إلزاميًا لكل خدمة رقمية، وفي الوقت نفسه جهة تفرض رسومًا على المرور.


تفرض آبل نسبة من الأرباح على التطبيقات والخدمات، وتحدد ما يُسمح بمروره إلى المستخدم النهائي، مما يحولها إلى حارس بوابة اقتصادي وتقني في آن واحد. لا تكتفي الشركة بتقديم منصة، بل تعيد تشكيل السوق وفق شروطها، فتؤثر على نماذج الأعمال، وتدفع الشركات إلى التكيف مع قواعدها بدلًا من الابتكار بحرية مطلقة.


تحولات القيادة ومستقبل السيطرة


يأتي هذا التحليل في لحظة انتقال قيادي داخل آبل، حيث يستعد جون تيرنوس لتولي منصب الرئيس التنفيذي خلفًا لتيم كوك، الذي قاد الشركة لسنوات طويلة ووسع نطاقها لتصبح واحدة من أكبر الشركات في العالم. يعكس هذا التحول استمرارًا في النهج، مع احتمال تغيير في التركيز نحو تطوير الأجهزة والبنية التكنولوجية.


يرث تيرنوس منظومة متكاملة تضم مليارات الأجهزة النشطة، ويواجه تحديًا يتمثل في الحفاظ على جاذبية منصة آبل للمطورين والشركات، خاصة في ظل تسارع الابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي. يعتمد نجاحه على قدرته في إبقاء النظام مغلقًا بما يكفي للحفاظ على السيطرة، ومفتوحًا بما يكفي لجذب الابتكار.


السيطرة على الوصول بدلًا من الابتكار


تكشف الفكرة الأساسية أن القوة في العصر الرقمي لم تعد ترتبط بمن يبتكر فقط، بل بمن يتحكم في الوصول. تنتج الشركات نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، وتتسابق المختبرات لتقديم حلول جديدة، لكن الاستخدام الفعلي يظل رهين الأجهزة والمنصات التي تصل إلى المستخدم.


تقف آبل في قلب هذه المعادلة، حيث يتحول الهاتف إلى نظام مغلق يحدد ما يمكن استخدامه وكيفية استخدامه. لا يمر أي تطبيق أو خدمة دون الخضوع لشروطها، مما يخلق ما يمكن وصفه بضريبة رقمية غير مباشرة على الابتكار.


يؤدي هذا الوضع إلى تغيير طريقة تفكير المطورين، إذ يتحول الإبداع إلى عملية تفاوض مع قيود المنصة بدلًا من كونه تجربة مفتوحة. ومع توسع الذكاء الاصطناعي، يزداد هذا التناقض وضوحًا، حيث تنشأ الأفكار في المختبرات، لكن حياتها الفعلية تبدأ فقط عندما تعبر بوابة آبل.


في النهاية، لا يهدف التحليل إلى تمجيد آبل بقدر ما يسعى إلى التحذير من هذا النوع من السيطرة غير المرئية. تتحول التكنولوجيا إلى ممر إجباري، وتتحول الشركات إلى حراس لهذا الممر، بينما يصبح السؤال الحقيقي ليس من يقدم الأفضل، بل من يُسمح له بالمرور.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260503-apple-the-digital-strait-of-hormuz/